ابن العربي

396

أحكام القرآن

من المحرمات التي عددناها نسخا ، ولكنه كان عموما ؛ فجرى على عمومه إلّا ما خصه الدليل في ست عشرة مسألة ، ولو كانت ألفا ما أثّر « 1 » في العموم ، فكيف وهي على هذا المقدار ؟ ألّا ترى إلى قوله تعالى « 2 » : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ، وهو عموم خرج منه عشرة أصناف وبقي تحته صنف واحد ، وهم المحاربون ، ولم يؤثّر ذلك فيه لا فصاحة ولا حكمة ولا دينا ولا شريعة . المسألة العاشرة - قوله تعالى : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ . المعنى أنّ اللّه لما شرط الإيمان ، وعلم أنه مخفىّ لا يطّلع عليه سواه أحال على الظاهر فيه ، وقال : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فيما أضمرتم من الإيمان ، كلكم فيه مقبول ، وبظاهره معصوم ، حتى يحكم فيه الحكيم ، ولذلك لما جاء الأنصارىّ فقال له : علىّ رقبة وأريد أن أعتق هذه الجارية . قال لها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أين اللّه ؟ قالت : في السماء . قال : من أنا ؟ قالت : رسول اللّه . قال : أعتقها فإنها مؤمنة حملا على الظاهر من الإيمان ، نعم وعلى الظاهر من الألفاظ ، وقد بيّنا ذلك في كتاب المشكلين . المسألة الحادية عشرة - قوله تعالى : بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ . قيل معناه أنتم بنو آدم ، وقيل معناه أنتم المؤمنون إخوة . وفي هذا دليل على التسوية بين الحرّ والعبد في الشرف ، وردّ على العرب التي كانت تسمّى ولد الأمة هجينا تعييرا له بنقصان مرتبة أمه ، وهذا أمر أدخلته اليمنية على المضرية من حيث لم تشعر بجهل العرب وغفلتها ؛ فإن إسماعيل ابن أمة ، فلو كانت على بصيرة ما قبلت هذا التعبير ، وإليها يرجع . المسألة الثانية عشرة - إذا تزوّج أمة ، ثم قدر بعد ذلك على حرّة فتزوّجها ثبت نكاح الأمة ولم ينفسخ . وقال مسروق : ينفسخ ؛ لأنه أمر أبيح للضرورة ، فإذا ارتفعت الضرورة ارتفعت الإباحة ، وهذا لا يصحّ ؛ لأنه شرط في ابتداء العقد فلا يشترط في استدامته ، كالعدّة والإحرام وخوف العنت . وهذا لا جواب عنه . وأما الميتة في الضرورة فتفارق هذا من وجهين : أحدهما - أنّ هذا عقد لازم ، وتلك إباحة مجرّدة .

--> ( 1 ) في ل : ما كثر . ( 2 ) سورة التوبة ، آية 5